أعلان الهيدر

Header ADS

أوال الكلمة

الأحد، 11 يناير 2026

ثيعزريين

ظاهرة "العزريات" في منطقة الأوراس: نساء إحرار

تعد ظاهرة "العزريات" (، ومفردها عزرية) في منطقة الأوراس واحدة من أكثر البقايا إثارة للدهشة في التنظيم الاجتماعي والروحي الأمازيغي القديم. هذا المصطلح، الذي يعني لغويا "المرأة الحرة" أو "في حالة حرية" (من كلمة "عزري" بالأمازيغية)، يشير إلى نساء عشن خارج قيود الزواج التقليدي.

1. من هن العزريات؟ 
العزريات هن نساء (غالبا أرامل، مطلقات، أو فضلن عدم الزواج) تمتعن بوضع اجتماعي فريد . كنّ في آن واحد شاعرات، مغنيات، وراقصات، وحافظات للتراث الشفهي الشاوي. الاستقلال الاقتصادي: كنّ يكسبن رزقهن من فنهن، من خلال الأداء في الأفراح والمناسبات.
الاستقلالية الاجتماعية: على عكس سائر النساء في ذلك الوقت، كنّ يتنقلن بحرية، ويستقبلن الضيوف، ولم يكنّ تحت وصاية زوج.

2. الصلة بالنظام الأمومي 
لها صلة بالنظام الأمومي. رغم أن المجتمعات الأمازيغية تحولت بمرور الوقت إلى النظام الأبوي، إلا أن العديد من علماء الأنثروبولوجيا يرون في "العزريات" بقاءً لنظام قديم كانت فيه المرأة تحتل مكانة مركزية: النسب والوجاهة: في بعض القبائل، كان تأثير الأم أو السلالة الأمومية لا يزال مهيمناً.
البركة: كان يُنظر للأزريات كحاملات لـ "بركة" (حماية إلهية). وكان يُعتقد أن حضورهن في الاحتفالات يضمن محاصيل جيدة، وهي سمة نموذجية للشخصيات الأنثوية المرتبطة بالخصوبة في الأنظمة الأمومية.

3. المعتقدات القديمة 
غالباً ما تستحضر هذه الظاهرة صورة المرأة "الهائمة" في الفلكلور المغاربي، التي تقف على الحدود بين عالم البشر وعالم الغيب. البُعد المقدس: لم تكن العزريات مجرد فنانات؛ بل كان لرقصهن (الذي يتسم بالوقار والثبات النسبي) وأغانيهن بُعد طقوسي.
العصور القديمة: هذا الوضع لـ "المرأة الحرة" يذكرنا بالكاهنات أو الشخصيات النسائية المقدسة في العصر الليبي (الأمازيغي) القديم، قبل أن تتصلب الأعراف الاجتماعية.

تحليل ظاهرة العزريات 
يكشف تحليل ظاهرة العزريات في الأوراس عن بنية اجتماعية نادرة التعقيد، حيث تمتزج الحرية الفردية بدور طقوسي أساسي للمجتمع. 
أ- وضع "الخروج المسموح عن العرف"
العزرية ليست مجرد امرأة ترفض الزواج، بل تشغل فضاءً اجتماعياً ثالثاً. ففي مجتمع شاوي محكوم بضوابط شرف صارمة، حصلت العزرية على "إعفاء اجتماعي": السيادة المكانية: على عكس المرأة المتزوجة (سيدة خيمتها او بيتها ، ولكنها حبيسة الحيز المنزلي)، تقتحم العزرية الفضاء العام، وتجالس الرجال، وتتنقل بين القرى.
الاستقلال المهني: هي "امرأة مهنة" محترمة، يطلب رأيها وخبرتها الثقافية في المراسيم الكبرى.
ما بين الزواجين: مصطلح "عزري" يعني حالة الحرية، وهو وضع قد يكون مؤقتاً أو نهائياً حسب الاختيار، لكنه لا يعني أبداً الإقصاء؛ فـ "العزرية" تظل في قلب القبيلة لا تنفى. 
ب- البعد الطقوسي و"البركة" 
يظهر التحليل الأنثروبولوجي أن العزرية هي حارسة لطقوس الخصوبة الموروثة: ضمان المحاصيل: كان يُعتقد في الأوراس أن رقص العزريات يجلب المطر والرخاء، حيث يصبح جسدها وسيطاً بين السماء والأرض.
حماية المواليد الجدد: كان يُطلب منها أحياناً مباركة الرضيع بلمسة من ريقها لنقل القوة الحيوية وموهبة الفصاحة إليه.
إرث "تانيت": يذكرنا هذا الدور بكاهنات آلهة الخصوبة مثل الإلهة تانيت)، فالعزرية هي النسخة المدنية للكاهنة القديمة.

4. فلسفة "العزرية" 
تجسد العزرية مفهوم "الحرية من خلال الأنوثة": فهي تظل امرأة، تبرز سماتها (الوشم، الحلي، الغناء) وتستخدم أنوثتها كقوة إبداع وتأثير. هي حرة بصفتها امرأة. هذه الظاهرة شاهدة على نظام قرابة ثنائي قديم، حيث كانت سلالة الأم تحتفظ بهيبة هائلة. كانت العزرية الدليل على أن المرأة في العالم الأمازيغي يمكن أن توجد بذاتها، دون أن تُعرَّف برابط تبعية للرجل.

5. زوال المكانة ونهاية الحقبة
أدى تآكل هذا الوضع في القرن العشرين إلى الانتقال من مجتمع "الطقوس والوجاهة" إلى مجتمع "الأخلاقيات والمعايير"، حيث أصبحت صورة المرأة الحرة محل ريبة في ظل المحافظة الدينية والاستعمار. بدأت الظاهرة في الانحسار خلال الفترة الاستعمارية وما بعد الاستقلال، حيث تحولت النظرة إليهن من "حارسات للتراث" إلى "تهميش اجتماعي". اليوم، يعيش إرثهن بشكل أساسي من خلال موسيقى "الرحابة". 

إيغوصار

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

imp

يتم التشغيل بواسطة Blogger.