أعلان الهيدر

Header ADS

أوال الكلمة

الثلاثاء، 21 أبريل 2026

الرئيسية ينتج "الخِيّرون" شرا أكثر من "الأشرار"؟

ينتج "الخِيّرون" شرا أكثر من "الأشرار"؟

تفاهة الشر: حينما يصبح "الأخيار" مصنعا للأذى

يقول الحكيم سقراط: "لا يأتي الشر والأذى إلا من الجهل وسوء التفكير". قد تمر هذه الحكمة على مسامعنا وكانها دعوى الى الاخلاق، لكنها في العمق تمثل الخلاصة النهائية لتأمل فلسفي يفكك المحركات الخفية للخراب الإنساني. إنها تضع الإصبع على الجرح: الشر ليس "شيطانا ً" خارجيا ، بل هو نتيجة مباشرة لتعطيل العقل. 
 
الجهل: من حوادث السير إلى كوارث الفكر 

بالنسبة لسقراط، الجهل هو المصدر الأول للأذى. عندما يجهل الإنسان ماهية الأشياء ثم يمارسها، يقع الضرر بالضرورة. هذا الضرر يبدأ بما هو ملموس وينتهي بما هو معنوي وأيديولوجي. 
فالإنسان الذي يجهل أصول السياقة ثم يجلس خلف المقود، سيرتكب حماقات تؤدي إلى مآسي مرورية. لكن الكارثة الحقيقية تبدأ عندما يحاول هذا "الجاهل" أن يعلم السياقة للآخرين! قس على ذلك من يجهل جوهر الدين ثم ينصب نفسه مفتيا؛ لان هنا يتحول الجهل من "خطأ فردي" إلى "دمار جماعي" ينتج عنه حرمان الفتيات من التعليم، أو تبرير العنف، أو قمع الحريات، وكل ذلك يتم تحت غطاء من "اليقين الجاهل".

تفاهة الشر وسوء التفكير 
لكن، ثمة ما هو أخطر من الجهل البسيط، وهو "سوء التفكير". هذا الذي يجعلنا ننتقل من دائرة "الأذى" العفوي إلى دائرة "الشر" الممنهج. إن الشر، كما يطرحه الواقع، ليس من صنيع "الأشرار" بالضرورة كما تصورهم الأفلام السينمائية،والقصص الشعبية ، بل هو نتاج سوء التفكير الذي يمس البشر جميعا، أخيارا وأشرارا . من هنا نصل إلى مفهوم "تفاهة الشر"؛ فالشر يبدأ عندما نقسم المجتمع وفق بعد أخلاقي حاد (نحن الأخيار وهم الأشرار). هذا التقسيم هو بحد ذاته "سوء تفكير" لأنه يعمينا عن نقد ذواتنا.

جحيم النوايا الحسنة 

إن المفارقة الصادمة تكمن في أن مقدار الشر الذي ينتجه "الأخيار" قد يفوق بمراحل ما ينتجه الأشرار النمطيون.أليس سوء تفكيرنا في التربية هو الذي ينتج جيلا مشوها، رغم أن نوايانا كانت "صناعة إنسان صالح ؟ 
أليس سوء التفكير هو الذي يجعل المرء يعادي لغته وهويته وثقافته وهو يظن في قرارة نفسه أنه "متعلم" أو "متدين" أو "محب لأرضه"؟ 
إن سوء التفكير يقودنا، بنوايا حسنة تماما ، إلى ممارسة أبشع أنواع الشرور. الشر في هذه الحالة ليس غاية، بل هو "الخبز اليومي" الذي يخبزه الأخيار بوقود من الجهل وسوء التقدير. 
إن مواجهة الشر لا تكون بمطاردة "الأشرار" فحسب، بل بمحاربة الكسل الذهني وسوء التفكير داخل كل واحد منا. إن الوعي ليس مجرد ترف فكري، بل هو صمام الأمان الوحيد الذي يمنعنا من أن نكون "أدوات تافهة" في يد الشر، ونحن نظن أننا نحسن صنعا.

درس سقراط 
يؤصل سقراط لرؤيته في عبارة ذهبية: "لا يأتي الشر والأذى إلا من الجهل وسوء التفكير". بالنسبة لسقراط، الإنسان لا يرتكب الخطأ وهو يعلم أنه خطأ (الفضيلة هي المعرفة)، بل يرتكبه لأنه يظن "جهلا" أن فيه نفعا له. 
إذا كان الجهل يسبب أذىً قد يكون عفويا، فإن سوء التفكير هو المصنع الحقيقي للشر المنظم. هذا يجعلنا ننتقل من مجرد "عدم المعرفة" إلى "فساد المنهج" في المعالجة.

ينتج "الخِيّرون" شرا أكثر من "الأشرار"؟ 
لان هذه المغالطات يتقاسمها اغلب البشر : 
ثنائية (خير/شر): تقسيم المجتمع أخلاقيا هو أولى خطوات سوء التفكير؛ لأنه يعمينا عن نقد أفعالنا بحجة أننا "أخيار".
جحيم النوايا الحسنة:  باسم "التربية"،مثلا قد ندمر شخصية الطفل (سوء تفكير تربوي).باسم "التدين" أو "الوطنية"، قد نعادي لغتنا وهويتنا ونحن نظن أننا نحسن صنعا. 
الاستمرارية: الأشرار "النمطيون" قلة ومكشوفون، أما الشر الناتج عن سوء تفكير "الأخيار" فهو خبز يومي مستمر، ومدمر لأنه يتم بغطاء من الفضيلة والقبول الاجتماعي. 
 
إيغوصار 
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

imp

يتم التشغيل بواسطة Blogger.